السيد محمد تقي المدرسي

62

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

4 - باعتبار أنَّ اللغة من جانب آخر تتصل بالثقافة العامة ، وأنَّ معارف الدين تختلف جذرياً عن ثقافات البشر ، ودارس النص الديني قد يكون متأثِّراً ببعض هذه الثقافات فيكون فهمه للنص مشوباً بها وغير نقي بالكامل ، مما يلقي بظلاله على النص . وهذه العقبات وربما غيرها مما تعترض طريق فهم النص جعلت الاستنباط من النص الشرعي بحاجة إلى المزيد من الدراية والتدبّر ، ولعلّ المقترحات التالية تساهم في تجاوز هذه العقبات . ثانياً - كيف نفقه كتاب الله ؟ قبل أن يلقي أحد كلاماً أو يكتب نصّاً مفصّلًا ، فإنه يتصوره من جميع أبعاده تصوّراً مفصّلًا أو بإجمال ، وكأنّه يضع إطاراً لكل كلمة يلفظها أو يكتبها . من هنا فإنّ توغل المتلقي في خلفية المُلقي من كلامه ينفعه في فهمه جملة وتفصيلًا . مِنْ هنا فإنَّ أول شيء يفعله أي متلقي لنصٍّ ومتأمّلٍّ فيه هو : معرفة المتحدِّث ، مَنْ هو ؟ وما هي غايته من الكلام ؟ وأيّ نمط من الكلام ينتمي إليه حديثه ؟ وهذا مايؤكِّده اليوم علم دراسة النص . « 1 »

--> ( 1 ) - يقول مؤلف كتاب " مدخل إلى علم لغة النص " : « إنّ المتكلم الذي يقصد إنتاج نصٍّ ما ، يجب عليه أن يصوِّر الحدث الكلي . » ويضيف : « إن هذا التشكيل للبنية ( أي وضع تصوّر عام للنص ) ليس شرطا حتمياً فقط لإنتاج النص بل أيضا عامل حاسم للغاية لفهم المفسِّر للنص ( أي المتلقي له ) . » ويقول : « إن المتكلمين قادرون على تكرير إنتاج النص الواحد نفسه في مواقف اتصال متباينة . » ويضيف : « وهكذا يمكن للمتلقي الذي يفسّر نصوصاً متباينة أن يبين أنَّ نصّا ما ، يتبع قسم الحكايات ، أو وصفات الطبخ ، أو نصوص القانون . » ( وهكذا ) يوجد لنصوص كثيرة إشارات مميِّزة ، ويضرب مثلًا على ذلك مقدمات النصوص . مثلًا هناك نص يبدء بعبارة « كان يا ما كان » يدل على أن ما بعده حكاية أو نكتة ، ونص باسم الشعب يدل على أن ما بعده حديث قانوني ، ونص يبدء ب - عزيزي يدل على أنه نص رسالة ود ، وما أشبه . وواضح إنّ عناصر التركيب تتباين من نصّ لآخر حسب أهدافه ، وهكذا تتغيّر مخططات هذا النوع ( أو ذاك ) تبعاً لحاجات التواصل مع الآخرين ومهامه المتغيرة . وختم حديثه بالقول : « إنَّ الأفكار العامة ( الأولية ) التي أوردناها هنا لتسويغ مخططات النص أو أنواعه أكدتها ودعمتها في السنوات الأخيرة دراسات علمية كثيرة ، وقد أشار علم النفس الإدراكي وعلم اللغة النفسي الخاصان بمعالجة النص بمعاونة التوكيد الامبريقي للفروض باستمرار إلى أنّ التصنيفات تعد شرطاً للأنشطة الإدراكية ، وأنَّ معلومات هذا التعقيد والوظيفية لا يمكن معالجتها إذا لم تشكل محصلات المعالجة بطريقة مختلفة » [ راجع كتاب : مدخل إلى علم لغة النص ، ص 149 - 154 وقد قمنا بإيجاز ما جاء في الكتاب وتحريره . ]